محمد بن جعفر الكتاني
69
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
عبد السلام بن مشيش ، وصار يقرئ به الطلبة ؛ وذلك بإشارة منامية من القطب المذكور . ثم رأى في منامه - أيضا - مولانا إدريس بن إدريس - رضي اللّه عنهما - وهو يأمره بالقدوم إلى فاس ؛ فقدم إليها ومعه جماعة من الطلبة الذين يقرءون عليه ، فوجد المعلم الذي كان يعلم الصبيان بمكتب جامع ابن البياض بأسفل عقبة ابن صوال قد مات ، فطلب منه أن يتولى إقراء الطلبة به ؛ ففعل . وكان من أهل الجد والاجتهاد في التعليم ، دءوبا عليه ، لا يخرج من المكتب أصلا إلا عند تسريح الصبيان في الأوقات التي جرت العادة بتسريحهم فيها . فيذهب في غير الجمعة والخميس لجامع ابن البياض الذي قبالة مكتبه ، فيجلس فيه يتلو أو يذكر ، وفي الخميس والجمعة يذهب إلى مولانا إدريس ، فيظل هناك بالتلاوة أو الذكر . هذا دأبه دائما إلى الوفاة . وكان يقول للطلبة الذين يقرءون عليه : « إني جالس هنا بإذن من مولانا إدريس رضي اللّه عنه ، وو اللّه ثم واللّه كل من كان منكم على ما لا ينبغي ؛ لا يفلح ولا يجئ منه شيء ! ، وكل من كان منكم مشتغلا بما يعنيه ؛ ليكونن منه ما يكون ! ! » . قال والدي - وكان ممن يقرأ عليه بالمكتب المذكور ، وهو عمدته في قراءة القرآن ، وحفظه عليه برواية ورش وقالون والمكي - : « فكان الأمر كما كان يقول : كل من كان في ذلك المكتب مشتغلا بما يعني ؛ أفلح ونال ما نال . وكل من كان مشتغلا فيه بما لا يعني ؛ لم يجئ منه شيء . رأينا ذلك عيانا ! » . وكان - رحمه اللّه - من أهل الكشف والصلاح ، الذين لا يشك في ولايتهم وصلاحهم ، خيرا دينا ، ناسكا تاليا ، ذاكرا مشتغلا بما يعنيه . وتخرج به كثير من الطلبة والأعيان . توفي بالطاعون سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف ، ودفن بهذا المطرح قريبا من سيدي محمد العائدي . رحمه للّه ونفعنا به . [ 931 - الناسك الصالح الشريف سيدي محمد بن يونس السريفي ] ( ت : 1200 ) ومنهم : الشيخ الصالح ، البركة الناصح ، الولي الأنور ، الزكي الأبهر ، السائح الجوال ، العظيم البركة والنوال ، الورع الزاهد ، الناسك العابد ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن يونس الشريف ، السريفي ثم الفاسي . كان - رحمه اللّه - في ابتداء أمره سياحا جوالا ، حتى جال في بلاد المشرق والمغرب ، ولقي في سياحته كثيرا من أهل الخير والصلاح ، والنسك والفلاح ؛ انتفع بهم ، واهتدى بهديهم :